المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سامري ومجروح


emadhann
02-25-2008, 12:13 PM
سامري ومجروح



بقلم: عماد حنا





حتى من يناصبنا العداء

يحتاج الى المسيح

إنه ببساطة مثل كل الناس يحتاج الى تغيير ..

الى أن يخلق خليقة جديدة

إنه مجروح.. فهل تكون بالنسبة له ... سامري؟


***


عندما دخلت إلى محطة الوقود القريبة من بيتنا كي أتزود بالوقود لسيارتي لم أكن قد سمعت بالحادث المؤسف الذي حدث لصاحبها, في الواقع أنا لم أكن معتاداً على إرتياد هذه المحطة, لعلمي السابق بكراهية صاحبها لي. ولولا إنشغالي الشديد في هذا اليوم وحاجة سيارتي الشديدة إلى وقود لما دخلت هذه المحطة, فصاحبها شخص متعصب لإيمانه ولا يحب من هو مثلي واضعا في ذهنه أن صاحب الديانة الحقيقية هو من يردد الشهادتين. و إيمان الرجل وقبول الله له يتحدد بطول اللحية واللباس الأبيض. أما أنا صاحب اللباس الأوربي والذقن الحليقة فعميل غربي كافر بالنسبة له ولا أفقه في العبادة ولا علاقة لي بالله مطلقا ... لذلك كنت لا أسلم من لسانه السليط وسخريته اللازعة كلما جئت لأزود سيارتي بالوقود

ولكن اليوم كانت سيارتي تحتاج إلى الوقود بشده ولا مجال لأن أقودها لأبعد من ذلك سعياً وراء إبتسامة مشرقة وتمنيات لي بصباح جميل.

فدخلت المحطة وأنا أصلي إلى الله أن يعطيني روح الصبر والتسامح في تحمل دعاباته السخيفة. وعندما دخلت وجدت إبنته الشابة وهي تقف أمام مضخة الوقود تزود السيارات على غير العادة. وعندما نظرت إليها وجدت عيناها قد تورمت من شدة البكاء إلي حد فظيع مما إسترعى انتباهي فنزلت بسرعة من سيارتي واتجهت إليها قائلا:

- ماذا حدث يا بنيتي؟ أين والدك؟

- ألم تعلم بالحادث يا سيدي القس؟

- كلا, ماذا حدث؟

- لقد وقع بالأمس في مرجل القار المغلي, وأخرجناه إلى المستشفى في حالة يرثى لها. وهو بين الحياة و الموت .. وكل عائلتي لديه الآن ..

ثم صرخت باكية

- والدي يموت يا سيدي القس

نظرت إليها في شفقة وربت على كتفها قائلا

- هون عليك يا بنيتي, إن رحمة الله واسعة ... زوديني بالوقود سريعا و أعطيني عنوان المستشفى حتى أذهب إليه

- لا داعي يا سيدي , سيظن أنك شامتاً فيه وسيمطرك بالكثير من السباب

لم أكترث كثيراً لكلماتها وأسرعت أحثها على إعطائي ما أريد

- بسرعة يا بنيتي كي لا أتأخر.

***



وخرجت من محطة الوقود وأنا ملئ بالمشاعر, ذلك الرجل السليط اللسان كانت آخر مرة تعاملت فيها معه كانت من خلال إبنتي الصغيرة ... كان ذلك في الأسبوع الماضي حيث كانت الدنيا شتاء والبرد قاصي, والثلج قد ملأ المكان ... لم يكن بالبيت أي جاز كي يملأ المدفأة كي نستدفئ في تلك الليلة الشديدة البرودة. فألبست إبنتي الصغيرة الكثير من الثياب وأعطيتها قنينة جاز وأرسلتها إليه كي يمدني بالجاز الذي يدفئ ليلتي الباردة. ولكن عندما ذهبت إبنتي اليه أمطرها بوابل من الشتائم ورفض أن يعطيها الجاز رغم أن معها ثمنه وطردها قائلا:

- دعي والدك الكافر يجعلك تستدفئنين بصلاته

وعندما ولت راجعة تابع صراخه فيها قائلا

- أو ربما يميته الله في هذه الليلة فيستدفئ هو في نار جهنم. حينئذ أعطيك أنا الذي يدفئكم أنتم

… لم أعرف السر وراء غلظة قلبه وسلاطة لسانه, لم أفهم .. كان الرجل صعب المراس جدا ولسانه سبب له في مشاجرات كثيرة. ووقع في أزمات كثيرة ولولا موقعه المتميز لفقد الكثير من زبائنه.

والآن ها هو قد وقع في الزيت المغلي , لم أفهم كيف رغم أن البنت شرحت لي ولكني لم أستطع أن أتخيل الموقف . ولكني عرفت أنه فقد جلده كله , ويعيش في ألم مبرح منذ الأمس. وفرصته في الحياة شبه معدومة.



***

وصلت إلى المستشفى وبسرعة اتجهت الى قسم الحروق, كان الجو متوترا جدا, والعائلة كلها كانت متجمعة, بسرعة دخلت اليه وما أن رآني من بعيد حتى صرخ

- أخرج من هنا, هل جئت كي تتأكد من موتي يا عميل الشيطان.. ابتعد ..

وكان صوته عاليا فخرجت مسرعا حتى لا أتسبب في مشكلة داخل المستشفى ولكني ذهبت الى الطبيب وسألته عنه فقال لي

- لقد فقد الكثير من جسده , وحياته شبه منتهية, ولكنه الآن يحتاج إلى كثير من الدم خلال فترة قصيرة

- أستطيع أن أعطيه

- نحن نقوم ببذل مجهود بلا أمل, وهو كلما يعيش أكثر يتألم أكثر فلو تركناه..

لم أدع الطبيب يكمل كلامه ... قاطعته بسرعة وقلت له

- إذا تركت هذا المسكين دون عناية تكون قد ارتكبت جريمة في حقه يا دكتور, طالما لدينا حلول فالمحاولة هي أهم شئ وليفعل الله بعد ذلك ما يراه مناسبا.

لوى الطبيب شفتيه غير مقتنعاً ثم قال لي

- لست أدري ماذا يفيده أذا أستطعت أن أزوده من عمره تلك الساعات القلائل, هو سيعيشها في ألم , لولا المسئولية لكنت قتلته رحمة به.

- أنت لا تنقص أو تزيد من عمر أي إنسان يا دكتور, هو الرب, ومن يدري, فقد يحتاج المرء إلى دقائق قليلة تغير من مصيره كله يا سيدي الطبيب , وليس من حق أي إنسان أن ينقص ثانية واحدة من عمر إنسان آخر , في شريعة السماء هذا أسمه قتل.. هل ستأخذ مني الدماء

نظر إلى ساخرا وقال

- يبدوا أنك تحبه كثيرا, هل هو قريبك؟

- نعم.. هو قريبي

- ما صلة القرابة

- أنا سامري, وهو مجروح

- لم أفهم صلة القرابة

- في الكتب المقدس يحدثنا عن رجل كان ملقى على الأرض بين الموت والحياة ووجده سامريا, فأنقذه ولقبه المسيح أنه قريبه, رغم حالة العداء من جهة الجسد

- إذن , أنت عدوه من جهة الجسد

- هو يقول

- لكنك لن تنجح في إنقاذه

- من يدري؟

***







ساعات تمر وأنا جالس أمامه في المستشفي، لقد سحبوا مني الكثير من الدم.. وهو الآن في غيبوبة الله وحده يعرف متي يستفيق منها.

وفجأة فاجأتني صرخة هائلة، ألم فظيع يشعر به ذلك الرجل.. كان الله في عونه.. اتجه بنظره إلى ولكنه لم يصرخ.. بل قال

- أنت لا زلت هنا؟!

- كيف حالك أيها البطل؟

- أنت أعطيتني دماً.. أليس كذلك؟

- نعم

دمعت عيناه تأثراً وقال

- لماذا.. لماذا لم تتركني أموت؟

وتحولت الدموع إلى بكاء

تقدمت جهته وقلت

- كيف أتركك تموت الآن .. وأنت شخص عزيز جداً علي وأيضاً عزيز في عيني الرب.. هل تعلم أين أنت ذاهب إذا انتقلت الآن؟!

- إلى الجحيم

قالها صارخاً.. فقلت له

- هل رأيت عذاب الحرق؟ .. هل تستطيع أن تحتمل هناك، وإلى الأبد؟

لم يتكلم بل عيناه أخذت تدمع, ثم راح يهذي قائلا

- هو الثمن.. ثمن الخطايا والأعمال الشريرة الذي يدفعه كل إنسان .. كلنا سنذهب إلى هناك .. أنت وأنا ... وكل البشر

- ولماذا تكلف نفسك عناء دفع ثمن خطاياك وهناك من دفعها عنك يا رجل.

- يسوع؟

- أنت تعرفه؟

- ومن لا يعرفه.. نبي عظيم عاش وعمل الكثير من المعجزات وأراد اليهود قتله فرفعه الله اليه لطهارته

- أنت لا تعرفه إذن

- أعرف الله وحاولت ارضاؤه بكل قوتي

- وهل أرضيته

- أعرف أنني حاولت أن أرضيه ، ولكني لا أثق في هذا الآن، بداخلي شئ غير راضي عنه

- لذلك اتهمت الآخرين بالكفر ورحت تعادي كل من هو في غير دينك اليس كذلك؟

- أعرف أن أعمالي لن تدخلني السماء

- ولا أعمال أي شخص، كلنا عبيد بطالون، كلنا حاولنا وفشلنا في هذا يا رجل

صرخ قائلا

- قلت لك أن كلنا لنا مصير واحد

- أتذكر الصليب؟

نظر إلى ولم يجب، فأكملت

- كم شخص صلب مع المسيح؟

قال لاهثا

- عيسى لم يصلب

- بل لقد صلب , وصلب معه رجلان والتاريخ كله يشهد على هذا , وعندما آمن به اللص الذي صلب معه برسالة المسيح... أسرع وقال "أذكرني يارب متى جئت في ملكوتك" حينئذ قال له يسوع ..."اليوم تكون معي في الفردوس"

هذه العبارة الرائعة المسيح يريد أن يقولها لك .. افتح قلبك يا رجل.. صلي إلى الله واطلب غفرانه، سلم له حياتك.. لقد بقي القليل.. أطلب منه أن يستلم ذلك الجسد المحروق والنفس المريضة..هو يريدك كما أنت يا رجل..

- لم أفعل في حياتي حسناً

- والكتاب المقدس يحدثنا عن رجل خاطي أسمه العشار ... هو أيضا كان رجلاً خائناً لدولته ... ولأبناء دولته... كان أيضا يقول أنه لم يفعل شيئاً حسناً في حياته... ولكنه صرخ بإيمان إلى الله وقال "اللهم أرحمني أنا الخاطيء" ... ويحدثنا السيد المسيح أنه نزل مبررا... بمعنى أن الله غفر خطاياه

- هل تشبهني بذاك الخائن؟

- أنت قلت أنك لم تفعل شيئاً خسناً حياتك ... لست أنا من قلت.

- نعم أنا قلت ... ماذا ... ماذا أقول له؟

- مثلما قال ذلك العشار

سكت الرجل قليلا .. وأغمض عيناه، ظننت أنه راح في غيبوبة.. فرفعت صلاة إلى الهي أن لا تكون هذه هي غيبوبة الموت.. لكنه فتح عيناه وقال

- يا رب ارحمني أنا الخاطئ.. اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك

ابتسمت وقلت

- لا تخاف الموت يا صديقي ... بحسب وعود الله لك ستغفر لك خطاياك على حساب دم المسيح الغالي

وبقيت أنا وهو قرابة الساعتين نصلي ويستمع إلى ترنيمي، وعلمته بعض الترانيم الصغيرة راح يترنم بها بصوته المنهك فقال باسما

- هل هذه هي التي سأرنمها في السماء

- هناك سيعلمونك ترنيمة الحمل.. إنها ترنيمة رائعة.. ستتعلمها هناك.. الآن تترنم ترانيم الدخول.. هل أنت سعيد؟

- جداً

- إذن رنم معي

ع السما رايح هنيالي لا بحزن ولاع بالي

ييجي الشيطان يهددني وبالعصيان يلبكني

بقوله روح يسوع معي طبيب الروح شفى وجاعي





***





وشفيت أوجاع الرجل تماما .. إنه الآن في السماء مع يسوع، أذكر أنني عندما خرجت من عنده وقابلني الطبيب قلت له

- لقد انتهي الأمر

- أرأيت أن دماك لم تفده بأي شئ ؟ لقد عاش ساعات قليلة فقط

أبتسمت للطبيب قائلاً:

- هذه الساعات هي أهم ساعات عمره

- هل كنت له سامريا؟

- نعم.. وقبل أن يرتاح من أوجاع جسده كانت نفسه وروحه قد استراحت أيضا وإذا دخلت ونظرت إلى وجهه سترى كم هو سعيد.

وخرجت من المستشفى، وركبت سيارتي.. كنت مشغولاً جداً اليوم.. لكني أجلت كل شئ في سبيل ذلك الرجل الذي استقبلته السماء بالفرح.

أدرت سيارتي راجعاً إلى البيت .. فلم يضع اليوم هباء