المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المسيح البكر - الجزء الاول -


bazianos
03-24-2008, 04:05 PM
المسيح البكر

تتكرر كلمة البكر كثيراً في الكتاب المقدس، سواء كان المقصود بها بكر الإنسان أو بكر الحيوان، أو حتى أبكار المزروعات. وكان للبكر مكانة خاصة في العهد القديم بين عائلته وأيضاً أمام الله حسب الوصايا التي أعطاها الله لأنبياء العهد القديم. وعندما كتب بولس الرسول رسالته إلى أهل كولوسي، ذكر لهم أن المسيح هو: «بكر كل خليقة» (كو 1: 15). فماذا كان يعني بولس الرسول بهذا اللقب، وكيف يكون المسيح بكر الخليقة؟

تأتي كلمة ”بكر“ في اللغة اليونانية prwtotokoV (بروتو توكوس) وترجمتها الحرفية ”الحَمْل للمرة الأولى“، وهي من الكلمات الخاصة بالترجمة السبعينية للعهد القديم، إذ أنها لم تَرِد في أية نصوص يونانية قبلها، وقد وردت فيها حوالي 130 مرة بمعنى ”الابن البكر، أو الابن المولود أولاً“. وهذه الكلمة هي ترجمة للكلمة العبرية ”بوكير“ ومعناها ”بكر“ وذلك عندما تأتي لتصف بكر الإنسان أو الحيوان، وفي الجمع ”بكوريم“ ومعناها ”أبكار“ عندما تصف أبكار المزروعات(1).

أما في العهد الجديد فإنها تَرِد ثماني مرات: مرتان منها في صيغة الجمع (عب 11: 8؛ 12: 23)، أما الست مرات الباقية فتأتي في صيغة المفرد وتشير إلى الرب يسوع. وعندما نقرأ هذه الآيات، لا نجد صعوبة في فهم معناها، فمعظمها تحمل المعنى الشائع في العهد القديم لمفهوم البكر، أي الابن الأكبر، أو الابن المولود أولاً. فهي تَرِد في إنجيل لوقا عن ميلاد الرب يسوع من العذراء مريم: «فولدت ابنها البكر وقمَّطته وأضجعته في المذود... كما هو مكتوب في ناموس الرب أن كل ذكر فاتح رحم يُدعَى قدوساً للرب» (لو 2: 23،7). والجدير بالملاحظة هنا أن كلمة ”البكر“ اليونانية (بروتوتوكوس) تحكم ما قبلها وليس ما بعدها، أي أنها تعطي معنى أن المولود هنا هو المولود الأول، وليس بالضرورة أنه لحقه آخرون في الولادة. كما تَرِد كلمة ”البكر“ أيضاً عن المسيح كبكر من بين الأموات أو كبكر بين إخوة كثيرين (رؤ 1: 5؛ رو 8: 29).

ولكن الصعوبة في فهم كلمة ”البكر“ تقابلنا هنا في آية بولس الرسول في رسالته لأهل كولوسي، وأيضاً في الرسالة إلى العبرانيين: «وأيضاً متى أَدْخَلَ البكر إلى العالم، يقول: ولتسجد له كل ملائكة الله» (عب 1: 6).

إن الآيات الواردة في رسالة كولوسي (كو 1: 15-20) تمثل ترنيمة أو قصيدة شعرية، يرى كثيرٌ من الباحثين أنها كانت تُستعمل في الصلوات الليتورجية أو الطقسية في الكنيسة الأولى. وهذه القصيدة تظهر أنها تدور حول أول كلمة في العهد القديم في لغته العبرية:
[في البدء (براشيت)] وهي الكلمة التي تحمل في داخلها معنى البدء أو الرأس. تنقسم هذه الترنيمة إلى جزئين، الأول منها يظهر فيه المسيح كمصدر للخليقة:


† "الذي هو صورة الله غير المنظور،
بكر كل خليقة، فإنه فيه خُلق الكل،
ما في السموات وما على الأرض،
ما يُرَى وما لا يُرَى،
سواءٌ كان عروشاً أم سيادات أم رياسات أم سلاطين،
الكل به وله قد خُلِقَ،
الذي هو قبل كل شيء، وفيه يقوم الكل" (كو 1: 15-17).

أما الجزء الثاني من الترنيمة, فيظهر فيه المسيح كمصدر للخليقة الجديدة، أو ينبوع الفداء:


† "وهو رأس الجسد، الكنيسة،
الذي هو البداءة، بكرٌ من الأموات،
لكي يكون هو متقدِّماً في كل شيء،
لأنه فيه سُرَّ أن يَحلَّ كل الملء،
وأن يُصالِح به الكل لنفسه،
عاملاً الصلح بدم صليبه، بواسطته، سواءٌ كان ما على الأرض، أم ما في السموات" (كو 1: 18-20).

وبالقراءة المدقِّقة لجزئَي القصيدة، نكتشف أنهما قصيدتان متوازيتان، أو متقابلتان في المعنى. ففي الجزء الأول يظهر المسيح أنه الصورة المنظورة لله غير المنظور، وأنه الخالق لكل الخليقة المادية وغير المادية. بل إن قيام الخليقة ودوامها يعتمد عليه. أما في النصف الثاني من القصيدة يظهر المسيح أنه الوسيط الذي به تمت المصالحة بين الخليقة وخالقها. إنه أصل الكنيسة والمسئول عن وجودها وكيانها. وفي كِلاَ الجزئين يظهر بوضوح أن المسيح ليس جزءاً من الخليقة، بل هو خالقها ومُوجدها من العدم، كما يظهر أنه ليس جزءاً من الكنيسة، بل هو أصلها وسبب قيامها. فالمسيح في هذه الآيات هو الله الخالق والعامل في الخليقة، والمصالِح والفادي لها (كو 1: 19،15).