المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عندما يبدو الله بعيداً


true_life
04-15-2008, 10:15 AM
عندما يبدو الله بعيداً
" فأصطبر للرب الساتر وجهه عن بيت يعقوب وأنتظره " ( اشعياء 8: 17)
إن الله حقيقى بغض النظر عما تشعر به .
من السهل ان تعبد الله عندما تكون الامور على ما يرام فى حياتك – عندما يكون قد أمدك بالطعام ، والاصدقاء ، والعائلة ، والصحة ، والمواقف السعيدة . لكن الظروف ليست سارة على الدوام . كيف تعبد الله عندئذ ؟ ما الذى تفعله عندما يبدو وكأن الله يبعد مليون ميل ؟
ان أعمق مستوى من العبادة هو تسبيح الله بالرغم من الألم ، وتقديم الشكر له أثناء التجربة ، والثقة فيه عندما تُجرب ، والخضوع له اثناء المعاناة ، ومحبته فى الوقت الذى يبدو فيه بعيدا ً.
كثيراً ما تُختبر علاقات الصداقة بالانفصال والصمت ، إذ انكم كأصدقاء تبتعدون بسبب المسافات او عدم قدرتكم على الاتصال . لن تشعر دائما فى صداقتك مع الله بالقرب منه . لقد دون فيليب يانسى بكل حكمة ( تتضمن كل علاقة الصداقة اوقاتاً من القرب واوقاتا من البعد ، وفى علاقة الصداقة مع الله ، مهما كان قربها ، سوف يتأرجح البندول من ناحية الى الأخرى ) . فى ذلك الوقت تصبح العبادة صعبة .
وحتى ينضج الله صداقتك فإنه سوف يختبرها بفترات من الانفصال الظاهرى ، اوقات تشعر فيها وكأنه تخلى عنك ونسيك ، حيث يبدو الله وكأنه يبعد مليون ميل . لقد اشار القديس يوحنا الصليبى الى هذه الايام من الجفاف الروحى ، والشك ، والبعاد عن الله ( بليلة النفس السوداء ) ، كما دعاها هنرى نوين ( خدمة الغياب ) ، واشار اليها آخرون باعتبارها ( شتاء القلب ) .
ربما كان لداود أقرب علاقة صداقة مع الله عن اى شخص آخر . فقد سُر الله بان يدعوه ( رجلاً حسب قلبى ) . ومع ذلك فقد اشتكى داود بشكل متكرر من غياب الله الظاهرى : " يارب لماذا تقف بعيداً. لماذا تختفى فى أزمنة الضيق ". " الهى لماذا تركتنى . بعيداً عن خلاصى عن كلام زفيرى " . " لماذا رفضتنى " .
بالطبع لم يترك الله داود حقاً وهو لن يتركك . فقد وعد مرات عديدة ان " لا يهملك ولا يتركك " . لكن الله لم يعد ( انك سوف تشعر دائما بحضورى ) بل ان الله يعترف فى الحقيقة انه فى بعض الاحيان يستر وجهه عنا . إذ توجد اوقات وكأنه ليس فاعلاً فى حياتك .
يصف فلوريد ماكلونج ذلك ( عندما تستيقظ فى صباح احد الايام وتجد كل مشاعرك الروحية قد اختفت . تصلى لكن لا شئ يحدث . تنتهر الشيطان لكن ذلك لا يغير اى شئ . تقوم ببعض التمارين الروحية .. تستدعى اصدقاءك للصلاة لأجلك .. تعترف بكل خطية يمكنك ان تتخيلها ولا شئ يحدث . تبدأ فى التساؤل : الى متى سوف تستمر تلك الكأبة الروحية . أياماً ؟ ام اسابيع ؟ ام شهوراً ؟ هل ستكون لها نهاية ؟ .. يبدو الامر ببساطة وكأن صلواتك لا تتعدى السقف . فتصرخ فى يأس مطلق ، ما الذى يحدث لى ؟ ) .
الحقيقة هى انه ليس هناك ما يعيبك ! فهذا جزء طبيعى من اختبار ونضج صداقتك مع الله ، يمر به كل مؤمن على الاقل مرة واحدة ، وعدة مرات فى العادة . انه اختبار مؤلم ومربك ، لكنه بالتأكيد حيوى من اجل نمو ايمانك . ان معرفة ذلك أعطت رجاءً لأيوب عندما لم يتمكن من الشعور بحضور الله فى حياته .
فقد قال " هانذا أذهب شرقاً فليس هو هناك وغرباً فلا أشعر به شمالاً حيث عمله فلا انظره . يتعطف الجنوب فلا أراه . لانه يعرف طريقى . اذا جربنى أخرج كالذهب " .
عندما يبدو الله بعيداً ، قد تشعر انه غاضب منك أو انه يؤدبك بسبب احدى الخطايا . فى الحقيقة ان الخطية تفصلنا عن الشركة مع الله ونحزن روح الله بسبب العصيان – لكن فى بعض الاحوال فان هذا الاحساس بالهجر والبعاد عن الله ليس له ايه علاقة بالخطية . انه اختبار الايمان – اختيار يجب ان نواجهه : هل سوف تستمر فى محبة الله ، والثقة فيه ، وطاعته ، وعبادته بالرغم من انك لا تشعر بحضوره او بدليل مرئى على عمله فى حياتك ؟
ان الخطأ الأكثر شيوعاً الذى يقترفه المؤمنون اليوم هو البحث عن اختبار بدلا من البحث عن الله . انهم يطلبون إحساساً ، وإن حدث ذلك فإنهم يستنتجون أنهم قد عبدوا الله . هذا خطأ ! . إذ ان الله يزيل مشاعرنا فى احيان كثيرة حتى لا نعتمد عليها . ان البحث عن شعور حتى لو كان شعوراً بالقرب من المسيح لا يُعتبر عبادة .
عندما تكون طفلاً فى الايمان فان الله يعطيك الكثير من المشاعر المؤكدة وكثيراً ما يجيب أكثر الصلوات غير الناضجة والمتمركزة ذاتياً – حتى تعرف انه موجود . لكن كلما تنمو فى الايمان فإنه سوف يفطمك عن تلك الامور التى تعتمد عليها .
ان وجود الله الكلى ، وإعلان حضوره أمران مختلفان فالاول هو حقيقة ، بينما الثانى هو فى الغالب احساس . ان الله حاضر على الدوام ،حتى لو لم تدرك وجوده كما ان حضوره فى غاية العمق لدرجة انه لا يقاس بمجرد الشعور
نعم انه يريدك ان تشعر بحضوره ، لكن يهمه ان تثق به اكثر من ان تشعر به ، فالايمان وليس المشاعر هو ما يرضى الله .
ان اكثر المواقف التى توسع نطاق ايمانك هى تلك الاوقات التى تتهاوى فيها الحياة ولا تجد الله فى اى مكان . فقد حدث ذلك لايوب . لقد فقد كل شئ فى يوم واحد – عائلته ، وعمله ، وصحته ، وكل ما كان يملك . والاكثر تثبيطاً للهمة ، ان الله لم يقل شيئاً طوال سبعة وثلاثين اصحاحاً !
كيف تسبح الله عندما تجده صامتاً فى الوقت الذى لا تفهم فيه ما الذى يحدث لحياتك ؟ كيف تبقى مرتبطاً بالله فى وقت الازمة بدون سماع صوته بوضوح ؟ كيف نثبت عيوننا على يسوع عندما تكون مملوءة بالدموع ؟ عليك ان تقوم بما فعله ايوب " وخر على الارض وسجد وقال : عرياناً خرجت من بطن أمى وعرياناً اعود الى هناك . الرب اعطى والرب اخذ فليكن اسم الرب مباركاً "
اخبر الله بما تشعر به بالضبط . اسكب قلبك امام الله . اخرج كل المشاعر التى تحس بها . لقد فعل ايوب ذلك عندما قال " انا ايضا لا امنع فمى اتكلم بضيق روحى . اشكو بمرارة نفسى " . فبإمكان الله ان يتعامل مع شكك ، وغضبك ، وخوفك ، وحزنك ، وحيرتك ، واسئلتك .
هل تعلم ان الاعتراف بيأسك لله يمكن ان يكون تصريح ايمان ؟ فقد كتب داود ، وهو يثق بالله ولكنه كان يشعر باليأس فى نفس الوقت " آمنت لذلك تكلمت . انا تذللت جداً ! " يبدو ذلك وكأنه تضارب : انا اثق بالله ، لكننى منهار ! ان صراحة داود تعلن فعلياً ايماناً عميقاً : لقد آمن اولا بالله . وآمن ثانياً ان الله سوف يستمع الى صلاته . وآمن ثالثاً ان الله سوف يدعه يقول ما يشعر به وسوف يظل يحبه .
ركز على جوهر الله – على طبيعته غير المتغيرة . تمسك بشخص الله غير المتغير بغض النظر عن الظروف وما تشعر به . ذكر نفسك بما تعرفه باعتباره حقاً ابدياً عن الله : انه صالح - وهو يحبنى - وهو معى - انه يعلم ما أمر به - انه يعتنى بى - وهو لديه خطة صالحة لحياتى . فقد قال ريموند إدمان ( لا تشك ابداً وقت الظلام فيما قاله الله لك فى النور ) .
عندما تهاوت حياة ايوب وكان الله صامتاً ، ظل ايوب يجد اشياء يمكنه ان يسبح الله لأجلها : انه صالح ومحب - انه قدير – انه يلاحظ كل تفاصيل حياتى – انه يسيطر – انه لديه خطة لحياتى – انه سوف يخلصنى .
ثق ان الله يحفظ وعوده . اثناء وقت الجفاف الروحى ، يجب ان تتكل بصبر على وعود الله ، وليس على مشاعرك ، وتدرك انه يأخذك الى مستوى أعمق من النضج . إذ ان الصداقة التى تُبنى على المشاعر هى بالفعل سطحية .
لذلك لا تنزعج بالمشاكل . لا يمكن للظروف ان تغير شخص الله . لا زالت نعمة الله بكامل قوتها ، انه لا يزال معك حتى لو لم تشعر به . لقد تمسك ايوب بكلمة الله فى غياب الظروف المؤيدة . فقد قال " من وصية شفتيه لم أبرح . اكثر من فريضتى ذخرت كلام فيه"
وهذه الثقة فى كلمة الله هى التى جعلت ايوب يبقى أميناً رغم ان كل الظروف المحيطة به كانت غير معقولة . كان ايمانه قوياً وسط الألم .
عندما تشعر ان الله قد تخلى عنك ، لكنك تستمر فى الثقة به بالرغم من مشاعرك ، فانك تعبده بأعمق الطرق .
تذكر ما صنعه الله بالفعل . ان لم يكن الله قد صنع اى شئ آخر لأجلك ، فإنه لا يزال يستحق تسبيحك المستمر طوال حياتك بسبب ما قام به يسوع على الصليب لأجلك . وذلك هو اعظم سبب للعبادة .
لسوء الحظ فاننا ننسى التفاصيل القاسية للذبيحة المؤلمة التى قدمها الله لصالحنا . فاعتياد الاشياء يجلب الاستخفاف . فقد صلب ابن الله ، وضُرب ، وجُلد ، واحتقر ، واسهتزئ به ، وتُوج بالأشواك . كان بإمكان يسوع ان ينقذ نفسه – لكنه لو فعل ذلك لما كان بإمكانه ان ينقذك .
لا تستطيع الكلمات ان تصف ظلمة تلك اللحظة . لماذا سمح الله وتحمل سوء المعاملة المروعة تلك ؟ حتى ينقذك من الهلاك الابدى ، وحتى تتمكن من مشاركة مجده الى الأبد! يقول الكتاب المقدس" لأنه جعل الذى لم يعرف خطية خطية لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه"
لقد تخلى يسوع عن كل شئ كى يكون لك كل شئ . فقد مات حتى تعيش الى الابد . ذلك وحده يستحق منك الشكر والتسبيح المستمر.
لا يجب عليك أبداً ان تتساءل فيما بعد ما الذى لديك لتشكر عليه .
نقطة للتأمل : إن الله حقيقى بغض النظر عما أشعر به .
آية للحفظ : " لا أهملك ولا أتركك " ( عبرانيين 13: 5 )
سؤال للتفكير : كيف يمكننى ان أبقى تركيزى على حضور الله ، وخصوصاً عندما يبدو بعيداً ؟