المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حتمية التجسد (أو لماذا التجسد)1


bishonium
04-29-2008, 02:45 PM
حتمية التجسد (أو لماذا التجسد)
شرحنا في الجزء الأول من هذه الدراسة عن تجسد الرب يسوع المسيح بأنه أعظم قصة حب قدمها الله للإنسان، كما عرضنا بعض التساؤلات التي تدور في أذهان نفوس كثيرة، وبدأنا الإجابة على إحدى هذه التساؤلات وهو موقف الكتاب المقدس من فكرة التجسد.

وفي هذا الجزء سنكمل حديثنا ونجيب عن بقية التساؤلات لنرى أهمية التجسد وحتميته، وكذلك نتائج وأهداف هذا العمل الإلهي العظيم.

حتمية التجسد (أو لماذا التجسد)

تُرى هل كان الرب الخالق القدير عاجزاً عن إيجاد وسيلة أخرى لفداء الإنسان سوى التجسد؟ أو بمعنى آخر، هل كان التجسد أمراً حتمي؟.

والإجابة بكل وضوح أنه لا يوجد طريق آخر لفداء الإنسان، وأن التجسد حقيقة حتمية. إذاً فلماذا؟ ولكي نصل للإجابة عن حتمية التجسد، يجب أن نرجع معاً إلى كتابنا المقدس الثمين وهو الإعلان الصادق الذي من خلاله أعلن الله لنا عن نفسه وطرقه وأفكاره، وأعطانا أن نقترب إليه ونعرفه. وسنكتشف معاً ونحن ندرس في الكلمة عدة حقائق في غاية الأهمية تعتبر من الأساسيات الجوهرية في تحديد علاقة الإنسان بالله وموقف الله من الإنسان، ومن خلال هذه الحقائق سنعرف حتمية التجسد.

1- خطية الإنسان ودينونة الله
خلق الله الإنسان لأنه أحبه.. خلقه على صورته ومثاله.. خلقه عظيماً حراً.. سلطّه على الطبيعة وأعطاه كل شيء بغنى. ودعا الله الإنسان أن يحيا في شركة معه.. يعبده ويخضع له.. يفرح به ويرنم لمجده.

وأعطى الرب آدم، الإنسان الأول، وصية واحدة يُعبر من خلالها عن خضوعه له واتكاله عليه وحده. كانت هذه الوصية هي عدم الأكل من شجرة واحدة في الجنة، وهي شجرة معرفة الخير والشر. كما كان إعلان الله له واضحاً ".. لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت" تك17:2.

لم يستطع آدم وحواء البقاء في الطاعة للرب وعدم الأكل من الشجرة المحرمة، فتجاوبوا مع غواية وخداع إبليس وأكاذيبه وكسروا قانون الله ووصيته، ظناً منهم أنهم سيكونون مثل الله كما قالت لهم الحية. وبذلك تمرد الإنسان على الإله الذي خلقه، وأراد أن يكون إلهاً لنفسه عارفاً الخير والشر.

وكان الرد الإلهي واضح جداً، وصدر الحكم الإلهي. لقد جلب آدم وحواء على أنفسهم دينونة الله وقضاءه. كان القانون واضح جداً أنه يوم تأكل منها موتاً تموت "لأن أجرة الخطية هي موت.." رو23:6 . وبالفعل بدأ تنفيذ الحكم، وطُرد كلٍ من آدم وحواء من أمام الله ومن الجنة، وصارا تحت الغضب الإلهي "لأن غضب الله مُعلن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم.." رو18:1 . إذاً فالخطية جلبت غضب الله، وصار كل الجنس البشري تحت قضاء الله ودينونته، وتحت الموت والغضب.

والموت الذي تكلم عنه الرب للإنسان لم يكن موت جسدي فقط، فهذا جانب واحد فقط وأقل أهمية، ولكن دعونا نرى ونفهم الجوانب الأخرى للموت:

أ – الموت الروحي:
ومعناه الأول الانفصال عن الله. لقد صار الإنسان في موت روحي غير قادر أن يحيا في شركة وعلاقة مع الله.. منفصلاً عنه بسبب خطاياه.. لا يحق له الاقتراب إليه.. عاجزاً عن إرضاءه أو أن يصنع براً. انظروا معي كيف يشرح الكتاب المقدس هذه الحالة:

إش2:59 "بل آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم وخطاياكم سترت وجهه عنكم حتى لا يسمع".

أف1:2 "وأنتم إذ كنتم أمواتاً بالذنوب والخطايا التي سلكتم فيها... ".

أف18:4 "إذ هم مُظلمو الفكر ومتجنبون (منفصلون) عن حيوة الله لسبب الجهل الذي فيهم بسبب غلاظة قلوبهم".

رو3: 10-12 ".. ليس بارٌ ولا واحدٌ. ليس مَنْ يفهم. ليس مَنْ يطلب الله. الجميع زاغوا وفسدوا معاً. ليس مَنْ يعمل صلاحاً ليس ولا واحد".

ب- الموت الأبدي:
بعد أن يقضي الإنسان الخاطئ حياته هنا على الأرض منفصلاً عن الله وتحت الغضب الإلهي، ينتقل بالموت الجسدي إلى الموت الأبدي. وهذا الموت لا يُعد انفصالاً أبدي عن الله فقط، بل هلاكاً ودينونة أبدية في بحيرة النار والكبريت مع إبليس وأعوانه، بعيداً تماماً عن الله وملائكته. لذا انظر معي الآيات التالية التي تشرح هذا الأمر:

لو16: 22-32 ".. ومات الغني أيضاً ودُفن. فرفع عينيه في الجحيم وهو في العذاب.."

يو36:3 ".. والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حيوة بل يمكث عليه غضب الله".

متى41:25 ".. اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المُعدة لإبليس وملائكته".

2تس9:1 "الذين سيعاقبون بهلاك أبدي من وجه الرب.."

2- قداسة الله وعدله
إش6: 3-5 "وهذا نادى ذاك وقال قدوس قدوس قدوس رب الجنود مجده ملء كل الأرض.. فقلت ويلٌ لي إني هلكت لأني إنسان نجس الشفتين.."

أي 25: 4-5 "فكيف يتبرر الإنسان عند الله وكيف يزكو مولود المرأة. هُوذا نفس القمر لا يضيء والكواكب غير نقية في عينيه". ".. وإلي ملائكته ينسب حماقة" أي 18:4 ".. والسموات غير طاهرة بعينيه" أي15:15

مز9 : 7-8 "أما الرب فإلى الدهر يجلس. ثبت للقضاء كرسيه وهو يقضي للمسكونة بالعدل. يدين الشعوب بالاستقامة"

يخطئ الكثيرون في إدراكهم لطبيعة قداسة الله وعدله مما يجعلهم يتوهمون أشياء بعيدة كل البُعد عن طبيعته ومبادئه. ولهذا يتجاهل البعض مبدأ قداسة الله وعدله غير مدركين أعماقه، فيظنون أن الله يمكن أن يتغاضى عن خطاياهم دون تسديد حقوق العدل الإلهي، أي دينونة الخطية والموت. كما يظن البعض أنهم يستطيعون إخفاء خطاياهم أو زوال تأثيرها ببعض الأعمال الصالحة، وكأنهم يحاولون التأثير على ميزان العدل الإلهي بأن حسناتهم يمكن أن تغلب سيئاتهم وأخطائهم؛ وهم في ذلك بالتأكيد واهمون. وهذه الأفكار ليست حديثة، فهذا كان فكر آدم منذ البدء؛ لقد حاول أن يخبئ عريه أمام الله بصنع ثياب من ورق الشجر غير عالم أنها لا يمكن أن تستره عن عيني الرب الذي يرى القلب والداخل (تك7:3).

يا للأفكار البشرية البعيدة كل البُعد عن طبيعة الله! فكيف للقدوس العادل أن يغير طبيعته ويتصالح مع الخطية، وكيف له أن يغير قوانينه ومبادئه؟! لهذا نراه يرفض هذه الطرق البشرية التي لا تشبع قداسته؛ فيرفض اعتكاف الإنسان في وجود الإثم، ولا يسمع صلاة الخاطئ حتى وإن أكثر في صلاته (إش1: 13-15)، بل حتى الذبيحة التي يقدمها الشرير تكون مكرهة لديه (أم27:21).

لقد أعلن الله قراره الحاسم بأن أجرة الخطية هي موت، وقداسة الله التي أهينت بتعدي الإنسان وخطيته لا تقبل إلا الموت كعقاب عادل وجزاء لخطية الإنسان. لذا استمع لإبراهيم وهو يتساءل أمام الله قائلاً ".. أديان كل الأرض لا يصنع عدلاً" تك25:18 . حاشا للرب.

أخي الحبيب، هل بدأت تدرك حتمية التجسد، أم مازلت لا ترى الصورة بوضوح؟ تعال لنكمل الحقيقة، وحينئذٍ ستكتمل الصورة وتفهم أعظم أسرار الله.