المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شفاء قلب الجدّة الأولى -الجزء الثاني -


ajlattouf
02-19-2008, 10:37 AM
دخلت المجمع مُنحنية الظهر، فآلمته مهانتُها، هي التي أمضت أكثر من نصف عمرها في المذلّة. وفي المجمع، تحوّل انحناء مذلّتها إلى انحناء تمجيد واستعطاف للإله. وهي لم تسأل يسوع شيئًا لأنّه لم يكن يحلّ للمرأة أن تجلس في الأماكن المتقدّمة في المجمع، ولا أن تتكلّم.
ولم تكن المرأة عجوزًا. فحوّاء عندما عصت كانت طفلة وشابة في آن، كما يقول القدّيس يعقوب السروجي. وبدلاً من أن تمدّ هي يدَها إلى يسوع، شجرة الحياة، فتحيا، مدّ هو يده فلمسها وشفاها وجعلها شجرة مُثمرة.
كانت مذلّتُها قد بلغت ذروتها. حتى بات، في عرف اليهود، مُعاملة البهائم برفق يوم السبت أجدى من شفائها: "الأ يحلّ كلّ منكم رباط ثوره وحماره في السبت فيسقيه؟ وهذه ابنة إبراهيم ربطها الشيطان ثماني عشرة سنة، أفما يجب أن تُحَلّ من هذا الرباط في السبت؟ وهو شفاها في السبت، مُجدِّدًا عمليّة الخَلق الأولى، حين خلق الله الإنسان على صورته كمثاله، واستراح في اليوم السابع.
وحطّم المُعلّم جميع الأعراف والقيود لأجل شفائها وردّ اعتبرها. فهو أولاً كلّمها، بينما لم تكن المرأة تكلّم رجلاً في مكان عام، حتى لو كان من أنسبائها. لكنّ يسوع شفاها وجعلها ترفع صوتها بتمجيد الله. ثمّ دعاها إلى الوسط، مُلغيًا بذلك أولويّة الرجُل في التعلّم والتوجّه إلى الله. ثمّ لمسها، مُخالفًا بذلك شريعة موسى. ثمّ دعاها "ابنة إبراهيم"، وهو تعبير لم يكن مُستعملاً إطلاقًا في كتابات اليهود.
لم يكن للمرأة عند اليهود كيان مُستقلّ، بل كانت تأخذ كيانها وخلاصها من زوجها. لهذا كان استعمال يسوع لعبارة "ابنة إبراهيم" غريبًا ومُستهجنًا لمعلّمي الشريعة. وبتسميتِها "ابنة إبراهيم" يجعل لها يسوع كيانًا مُستقلاً، وفي موقع مُتساوٍ مع الرجُل تجاه الله.
وهو شفاها في سبت، مُبيّنًا أنّ رحمة الله أكثر أهميّة من الطقوس والمراسم. بهذا يُعيد يسوع تحديد السبت كيوم مُقدّس لأجل إظهار لطف الله ومحبّته، والمجمع مكانًا لصنع الرحمة. وهو يتحدّى العرف اليهوديّ بأنّ مرضها عقاب لأجل خطيئتها، ويُبيّن أنّها مريضة لأنّ الشرّ موجود في العالم، وأنّها، مثل كلّ مريض ومسكين، تستحقّ الرحمة.
لكن كيف عرف مصابها، وأنّ لها ثماني عشرة سنة في المرض؟ لأنّه يعرف كلّ شيء. وهو لذلك يعرف دواخلنا وعللنا الخفيّة. فنحن أيضًا "ربطنا الشيطان بروح مرض أقعدنا"، ولدغت الحيّة قلوبنا فبتنا نحبّ الخطيئة ونرغبُها ونترقّبُها ونستمتع بها، بل صار كلّ منّا "ملك ثعابين". وضربنا رقمًا قياسيّا في العيش في قفص الأفاعي والخضوع لرباطاتها. ولدغتنا الخطيئة مرّات عديدة من دون أن نكترث لخطرها، فانحنينا لثقل خطايانا، وضعُفت قوّتُنا وضاع ثمرنا وصرنا بحاجة لأن يشفي يسوع قلوبنا ويُنهضنا من انحنائنا.
لقد خلق الله الإنسان في رفعة وكرامة. خلقه لكي "يموت واقفًا ورأسه مرفوع". لكنّ الإنسان يختار بملء إرادته الانحناء أمام الخطيئة بدلاً من الانحناء أمام الله، ولا يخشى لدغة الخطيئة القاضية. وقد قال الكتاب في الأشرار: "أجعل ظهورهم مُقوّسة أبدً" (مزمور 24:69). لكنّه قال أيضًا: "الربّ يُقوّي الساقطين ويُقوّم المُنحنين" (مزمور 14:144).
فإذا كنّا، كهذه المرأة المُنحنية، نعجز عن أن ننهض بقوّتنا الذاتيّة ونتحرّر من ثقل الخطيئة من تلقائنا، فلنذهب إلى يسوع عالم الخفايا كما ذهبت هذه المرأة، منحنين تمجيدًا واستعطافًا له، قبل أن تأتينا اللدغة الأخيرة القاضية، وهو يُحرّرنا ويُقيمُنا بنعمته، فننتصب مع المرأة المُنحنية، ومعها نمجّد الله إلى الدهور. آمين