ajlattouf
02-19-2008, 10:44 AM
فُرص العُمر الضائعة
أعمى أريحا (لوقا 35:1]عظة الأب أنطوان يوحنا لطّوف
فُرَص العمر هل ننتهزها؟ أعمى أريحا لم يدع الفُرصة تفوته.
كان مضروبًا بالعمى والفقر، مغلوبًا على أمره. ولعلّ أهل أريحا لم يقبلوه فجلس على الطريق يستعطي.
سمع أنّ يسوع شفى أعمى منذ مولده. وسمع نبوءة أشعيا "العمي يُبصرون" لدى مجيء المسيّا، فأدرك أنّ يسوع هو المسيح، وعاش على رجاء أن يلتقيه فيبرأ. آمن بيسوع مُخلّصًا، فملأ يسوع قلبه وعقله.
ذات يوم سمع جلبة وقيل له يسوع الناصريّ عابر. إنها فُرصته الذهبيّة. صاح "يا ابن داود ارحمني". انتهره العابرون، وكلّما انتهروه ازداد صياحًا.
لم يُفكِّر في استجداء المال من الموكب الصاعد إلى أورشليم في الفصح، حيث الناس أسخياء على الفقراء، تكفيرًا عن ذنوبهم. بل اعتبر لقاءه بيسوع أثمن من كنوز الأرض. ولم يُرد أن يشفى إلاّ لكي يرى يسوع.
كان يسوع ذاهبًا إلى الآلام. والسائرون معه يحسبونه زعيمًا دنيويًّا لا يجب إزعاجه. ولم يروا المُعجزة الكامنة في كلام الأعمى.
هم عرّفوا يسوع بإنسانيّته: "يسوع الناصريّ ". لكنّ بن طيما عرّفه بألوهيّته، فأعلنّه المسيّا ابن داود. هذه حقيقة أدركها بطرس بعد مسيرة مع يسوع: "أنت المسيح ابن الله الحيّ"، فأجابه يسوع: "لم يكشف لك هذا لحم ودم بل أبي من السموات"!
كذلك كشف يسوع للأعمى ألوهيّته التي احتجبت عن الحكماء وأُعلنت للبُسطاء. فغدا هذا الكفيف أكثر بصرًا من الجموع التي أسكتت شخصًا يُعلن ألوهيّة المسيح! ولجهلها أسكتت مسكينًا يطلب رحمة! وبعدما ناداه يسوع، ناقضت الجموع نفسها قائلة: "تشجّع، إنّه يدعوك"!
"توقّف يسوع" لأنّه كان صاعدًا إلى أورشليم لخلاص المساكين، ومنهم بن طيما. ولعلّه أوّل مسكين تتحقّق فيه نبوءة أشعيا: "العمي يُبصرون والمساكين يُبشَّرون".
"ماذا تُريد أن أعمل لك"؟ قال: "يا ربّ، أن أُبصر". هذا الطلب اعتراف بربوبيّة المسيح وقُدرته، وطعن بتعليم الفرّيسيّين: فالأعمى بعُرفهم خاطئ يستحقّ مصابه. ولهذا حاولوا إسكاته ومنعه من الشفاء! أما يسوع فيُثبت أنّه يستحقّ الرحمة. ولم يكن إلحاح الأعمى سوى إثبات لإيمانه الذي حقّق له الشفاء: "إيمانُك أبرأك".
"وانفتحت عيناه"، وكان أوّل ما رأى هو يسوع. لكن عين بصيرته انفتحت قبل ذلك بكثير. فهو سبق ورأى نور المسيح بعيني الإيمان، وتبعه قبل أن يراه بعيني الجسد.
سبق هذا الأعمى المُبصرين في معرفة يسوع، بينما المُبصرون الذين ساروا مع يسوع سنوات، عجزوا عن معرفته. وكان لهذا الضرير دور في البشارة. فأن يذكر الإنجيل اسمه يعني أنّه كان معروفًا لمسيحيّي ذلك الزمن.
قال له يسوع "اذهب"، أما هو فلم يجد مَن يذهب إليه سوى يسوع. وباتباعه يسوع صار له النور غير الماديّ: "مَن تبعني لا يمشي في الظلام، بل يكون له نور الحياة". وصار للفقير كنوز لا تفنى، صار أغنى الأغنياء، على ما قال الرسول بولس: "نحن لا نملك شيئًا، لكنّنا نملك كلّ شيء".
كان قبلاً يُحصي دريهمات يحصّلها آخر النهار. لكنّه يعجز الآن عن أن يُحصي أمواله: "وحدهم الفقراء يحصون أموالهم". وعندما دعاه يسوع طرح ثوبه ولم يُفكّر بمقتنياته، ولبّى الدعوة فورًا،
وتفوّق الشحّاذ على الغنيّ الذي عجز عن تلبية الدعوة، وأضاع لقاءه بيسوع سُدى. الغنيّ البصير دخل الظلمة ومضى حزينًا، بينما الأعمى تبع نور يسوع فَرِحًا وهو يمُجّد الله.
الأعمى رأى الأولويّات أكثر من البصير وانتهز الفرصة التي لا تسنح مرّتين. وجد كنْزًا في حقل فباع ما له واشتراه، ولؤلؤة فباع ما لديه واشتراها. وصار يسوع نصيبه الذي لا يُنْزع منه.
وسبق الأغنياء والمُبصرين في اتباع يسوع. واكتملت استنارتُه بمُعاينة آلام السيّد في أورشليم فصار شاهدًا للقيامة.
يُعلّمُنا بن طيما أنّ الأعمى هو مَن لا يرى نور يسوع. وأنّ الأعمى يصير بصيرًا إذا رأى نور المسيح، حتى لو بقي كفيفًا. وأنّ الأعمى الذي يرى نور يسوع هو بصير أكثر من المُبصرين الذين لا يرون يسوع.
وعندما انفتحت عيناه على يسوع رأى الأعمى نفسه أيضًا. فعندما نرى يسوع، نرى أنفسنا على حقيقتها. أما الغنيّ فلم يستطع أن يرى يسوع على حقيقته، وبالتالي لم يعرف نفسه ويُدرك فقره.
برؤيته يسوع بعين البصيرة، تحرّر بن طيما من ظلمته الداخليّة. وبشفائه تحرّر من ظلام العمى. وبشّر العميان بأنّ نور المسيح رجاؤهم، يحرّرهم من ظلمتهم فيصبحون مُبصرين. وهو يُبشّرنا نحن أيضًا، لأنّ أشكالاً من الظلمة تكتنفُنا وتُعيقُنا عن طاعة المسيح.
ومن أشكال العمى أن يعتقد المرء أنّه مُكتمل البصر. لكن عندما يستنير بالمسيح يُدرك أنّ بصره هو العمى بعينه! فنحن لا نرى حالة الضياع التي نحن فيها، ولا نُدرك كم أنّ الخطيئة مُظلة، وكم هو مُريع العقاب الآتي، ولا نُشاهد مجد المسيح من خلال أعماله.
نحن عميان لأننا لا نرى فقرنا الروحيّ المُدقع. فالخطيئة حرمتنا النعمة وعرّتنا من ثياب البرّ وحوّلتنا إلى شحّاذين لنعمة الله. العمى والاستجداء هما حالة جنسنا، إلى أن تفتقدنا محبّة المسيح. وعندما تفتقدنا محبّته علينا أن نلبّي النداء إلى الطاعة والتوبة من دون إبطاء.
الأعمى الذي لم يكن له مُعلّم ولا مُرشد، انتهز الفُرصة ولبّى الدعوة باندفاع وأعلن إيمانه بابتهاج. ونحن الذين لنا الروح وتعليم الكنيسة والأسرار وشهادة الآباء القدّيسين، نتقاعس ونتردّد ونعيش في فتور.
ونُفوّت الفُرصة تلو الفُرصة، لأنّ يسوع يقرع بابنا كلّ يوم، ونحن كثيرًا ما نُفضّل الظلمة على النور: "الدينونة هي أنّ النور جاء إلى العالم، ففضّل الناس الظلمة على النور لأنّ أعمالهم كانت سيّئة".
صوت يسوع تحوّل في عينيّ الأعمى إلى نور. ذلك الصوت يدعونا نحن أيضًا إلى التوبة عن كبريائنا وجهلنا وأنانيّتنا وادّعائنا وفُتورنا وإهمالنا وكافة خطايانا. وإنّ تجاهلنا لذلك الصوت، وتأجيلنا لتوبتنا يوقعنا تحت الدينونة.
فلنغتنم الفُرصة ما دام هناك وقت. ولننهض بعزم، مُلبّين دعوة السيّد، مُستعطفين: "يابن داود ارحمني." وإنّه سوف يسألنا: "ماذا تُريد أن أعمل لك"؟ فنقول: "يا سيّد، أن نُبصر نورك فنتحرّر من ظلمتنا لتكون أنت نورنا وحياتنا، فنحمل نورك إلى الآخرين، ونمجّدك إلى الدهور. آمين".
أعمى أريحا (لوقا 35:1]عظة الأب أنطوان يوحنا لطّوف
فُرَص العمر هل ننتهزها؟ أعمى أريحا لم يدع الفُرصة تفوته.
كان مضروبًا بالعمى والفقر، مغلوبًا على أمره. ولعلّ أهل أريحا لم يقبلوه فجلس على الطريق يستعطي.
سمع أنّ يسوع شفى أعمى منذ مولده. وسمع نبوءة أشعيا "العمي يُبصرون" لدى مجيء المسيّا، فأدرك أنّ يسوع هو المسيح، وعاش على رجاء أن يلتقيه فيبرأ. آمن بيسوع مُخلّصًا، فملأ يسوع قلبه وعقله.
ذات يوم سمع جلبة وقيل له يسوع الناصريّ عابر. إنها فُرصته الذهبيّة. صاح "يا ابن داود ارحمني". انتهره العابرون، وكلّما انتهروه ازداد صياحًا.
لم يُفكِّر في استجداء المال من الموكب الصاعد إلى أورشليم في الفصح، حيث الناس أسخياء على الفقراء، تكفيرًا عن ذنوبهم. بل اعتبر لقاءه بيسوع أثمن من كنوز الأرض. ولم يُرد أن يشفى إلاّ لكي يرى يسوع.
كان يسوع ذاهبًا إلى الآلام. والسائرون معه يحسبونه زعيمًا دنيويًّا لا يجب إزعاجه. ولم يروا المُعجزة الكامنة في كلام الأعمى.
هم عرّفوا يسوع بإنسانيّته: "يسوع الناصريّ ". لكنّ بن طيما عرّفه بألوهيّته، فأعلنّه المسيّا ابن داود. هذه حقيقة أدركها بطرس بعد مسيرة مع يسوع: "أنت المسيح ابن الله الحيّ"، فأجابه يسوع: "لم يكشف لك هذا لحم ودم بل أبي من السموات"!
كذلك كشف يسوع للأعمى ألوهيّته التي احتجبت عن الحكماء وأُعلنت للبُسطاء. فغدا هذا الكفيف أكثر بصرًا من الجموع التي أسكتت شخصًا يُعلن ألوهيّة المسيح! ولجهلها أسكتت مسكينًا يطلب رحمة! وبعدما ناداه يسوع، ناقضت الجموع نفسها قائلة: "تشجّع، إنّه يدعوك"!
"توقّف يسوع" لأنّه كان صاعدًا إلى أورشليم لخلاص المساكين، ومنهم بن طيما. ولعلّه أوّل مسكين تتحقّق فيه نبوءة أشعيا: "العمي يُبصرون والمساكين يُبشَّرون".
"ماذا تُريد أن أعمل لك"؟ قال: "يا ربّ، أن أُبصر". هذا الطلب اعتراف بربوبيّة المسيح وقُدرته، وطعن بتعليم الفرّيسيّين: فالأعمى بعُرفهم خاطئ يستحقّ مصابه. ولهذا حاولوا إسكاته ومنعه من الشفاء! أما يسوع فيُثبت أنّه يستحقّ الرحمة. ولم يكن إلحاح الأعمى سوى إثبات لإيمانه الذي حقّق له الشفاء: "إيمانُك أبرأك".
"وانفتحت عيناه"، وكان أوّل ما رأى هو يسوع. لكن عين بصيرته انفتحت قبل ذلك بكثير. فهو سبق ورأى نور المسيح بعيني الإيمان، وتبعه قبل أن يراه بعيني الجسد.
سبق هذا الأعمى المُبصرين في معرفة يسوع، بينما المُبصرون الذين ساروا مع يسوع سنوات، عجزوا عن معرفته. وكان لهذا الضرير دور في البشارة. فأن يذكر الإنجيل اسمه يعني أنّه كان معروفًا لمسيحيّي ذلك الزمن.
قال له يسوع "اذهب"، أما هو فلم يجد مَن يذهب إليه سوى يسوع. وباتباعه يسوع صار له النور غير الماديّ: "مَن تبعني لا يمشي في الظلام، بل يكون له نور الحياة". وصار للفقير كنوز لا تفنى، صار أغنى الأغنياء، على ما قال الرسول بولس: "نحن لا نملك شيئًا، لكنّنا نملك كلّ شيء".
كان قبلاً يُحصي دريهمات يحصّلها آخر النهار. لكنّه يعجز الآن عن أن يُحصي أمواله: "وحدهم الفقراء يحصون أموالهم". وعندما دعاه يسوع طرح ثوبه ولم يُفكّر بمقتنياته، ولبّى الدعوة فورًا،
وتفوّق الشحّاذ على الغنيّ الذي عجز عن تلبية الدعوة، وأضاع لقاءه بيسوع سُدى. الغنيّ البصير دخل الظلمة ومضى حزينًا، بينما الأعمى تبع نور يسوع فَرِحًا وهو يمُجّد الله.
الأعمى رأى الأولويّات أكثر من البصير وانتهز الفرصة التي لا تسنح مرّتين. وجد كنْزًا في حقل فباع ما له واشتراه، ولؤلؤة فباع ما لديه واشتراها. وصار يسوع نصيبه الذي لا يُنْزع منه.
وسبق الأغنياء والمُبصرين في اتباع يسوع. واكتملت استنارتُه بمُعاينة آلام السيّد في أورشليم فصار شاهدًا للقيامة.
يُعلّمُنا بن طيما أنّ الأعمى هو مَن لا يرى نور يسوع. وأنّ الأعمى يصير بصيرًا إذا رأى نور المسيح، حتى لو بقي كفيفًا. وأنّ الأعمى الذي يرى نور يسوع هو بصير أكثر من المُبصرين الذين لا يرون يسوع.
وعندما انفتحت عيناه على يسوع رأى الأعمى نفسه أيضًا. فعندما نرى يسوع، نرى أنفسنا على حقيقتها. أما الغنيّ فلم يستطع أن يرى يسوع على حقيقته، وبالتالي لم يعرف نفسه ويُدرك فقره.
برؤيته يسوع بعين البصيرة، تحرّر بن طيما من ظلمته الداخليّة. وبشفائه تحرّر من ظلام العمى. وبشّر العميان بأنّ نور المسيح رجاؤهم، يحرّرهم من ظلمتهم فيصبحون مُبصرين. وهو يُبشّرنا نحن أيضًا، لأنّ أشكالاً من الظلمة تكتنفُنا وتُعيقُنا عن طاعة المسيح.
ومن أشكال العمى أن يعتقد المرء أنّه مُكتمل البصر. لكن عندما يستنير بالمسيح يُدرك أنّ بصره هو العمى بعينه! فنحن لا نرى حالة الضياع التي نحن فيها، ولا نُدرك كم أنّ الخطيئة مُظلة، وكم هو مُريع العقاب الآتي، ولا نُشاهد مجد المسيح من خلال أعماله.
نحن عميان لأننا لا نرى فقرنا الروحيّ المُدقع. فالخطيئة حرمتنا النعمة وعرّتنا من ثياب البرّ وحوّلتنا إلى شحّاذين لنعمة الله. العمى والاستجداء هما حالة جنسنا، إلى أن تفتقدنا محبّة المسيح. وعندما تفتقدنا محبّته علينا أن نلبّي النداء إلى الطاعة والتوبة من دون إبطاء.
الأعمى الذي لم يكن له مُعلّم ولا مُرشد، انتهز الفُرصة ولبّى الدعوة باندفاع وأعلن إيمانه بابتهاج. ونحن الذين لنا الروح وتعليم الكنيسة والأسرار وشهادة الآباء القدّيسين، نتقاعس ونتردّد ونعيش في فتور.
ونُفوّت الفُرصة تلو الفُرصة، لأنّ يسوع يقرع بابنا كلّ يوم، ونحن كثيرًا ما نُفضّل الظلمة على النور: "الدينونة هي أنّ النور جاء إلى العالم، ففضّل الناس الظلمة على النور لأنّ أعمالهم كانت سيّئة".
صوت يسوع تحوّل في عينيّ الأعمى إلى نور. ذلك الصوت يدعونا نحن أيضًا إلى التوبة عن كبريائنا وجهلنا وأنانيّتنا وادّعائنا وفُتورنا وإهمالنا وكافة خطايانا. وإنّ تجاهلنا لذلك الصوت، وتأجيلنا لتوبتنا يوقعنا تحت الدينونة.
فلنغتنم الفُرصة ما دام هناك وقت. ولننهض بعزم، مُلبّين دعوة السيّد، مُستعطفين: "يابن داود ارحمني." وإنّه سوف يسألنا: "ماذا تُريد أن أعمل لك"؟ فنقول: "يا سيّد، أن نُبصر نورك فنتحرّر من ظلمتنا لتكون أنت نورنا وحياتنا، فنحمل نورك إلى الآخرين، ونمجّدك إلى الدهور. آمين".